محمد بن محمد ابو شهبة

178

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

وروى الواقدي بسنده في مغازيه عن رجال من بني عبد الأشهل قالوا : انكسر سيف سلمة بن حريش يوم بدر ، فبقي أعزل لا سلاح معه ، فأعطاه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قضيبا كان في يده من عراجين ابن طاب - نخل بالمدينة رطبها جيد - ، فقال : « اضرب به » ، فإذا هو سيف جيد ، فلم يزل عنده حتى قتل يوم جسر أبي عبيد « 1 » . ومن ذلك ما أعلم به النبي عمه العباس لما اشتكى الفقر ، وإخباره بما ترك من مال عند زوجته أم الفضل ، وقوله لها : إن هلكت فهذا المال لبنيّ . وما حدث به عمير بن وهب لما جاء متظاهرا بفداء ابنه ، وهو يريد قتل النبي باتفاق مع صفوان بن أمية ، فقد أنبأه نبأ المؤامرة ، فكانت سببا في إسلامه وصدق إيمانه . وما ينبغي لأحد أن يزعم أن المعجزات الحسية لا ضرورة إليها بعد القران ، فها هي قد بدت اثارها واضحة جلية في إسلام البعض ، وتقوية يقين البعض الاخر ، وإثبات أنه نبي يوحى إليه ، فقد أخبر بمغيبات انتفى في العلم بها كل احتمال إلا أنه خبر السماء ، وغير خفي ما يحدثه انقلاب عود أو عرجون في يد صاحبه سيفا بتارا في إيمانه وتقوية يقينه ، وجهاده به جهادا لا يعرف التردد أو الخور ، وحرصه البالغ على أن يخوض المعارك بسيف خرقت به العادة ، وصار مثلا وذكرى في الأولين والآخرين .

--> ( 1 ) البداية والنهاية ، ج 3 ص 290 . وفي البداية أبي عبيدة وهو خطأ والصحيح أبي عبيد ، وهو أبو عبيد بن مسعود الثقفي وكان عبر الفرات إلى الضفة الأخرى لقتال الفرس على جسر ، فلما قتل أبو عبيد جال المسلمون جولة ثم انهزموا ، فقطع رجل الجسر حتى لا يفكر أحد من الجيش في الفرار ، وكانت خطيئة ترتب عليها أن قتل كثير من المسلمين وتهافتوا في الفرات ، ولولا موقف المثنى بن حارثة ومعه بعض أبطال المسلمين لكانت الهزيمة ساحقة ماحقة . ( الإصابة ، ج 4 ص 130 ؛ والاستيعاب ، ج 4 ص 124 ) .